شبكة نوى، فلسطينيات:
لم تَدُم لحظات الفرح التي اعتَرَت أفراد عائلة أبو خالد سرحان طويلًا، بعد استلام مفاتيح شقتهم الجديدة في أبراج الندى شمال قطاع غزة، التي تم قصفُها خلال العدوان الإسرائيلي عام 2014م.
سرعان ما تلاشت مشاعر الامتنان، وتحوّلت إلى غضبٍ وسخطٍ يوازي في قوّته تلك المشاعر التي رافقتهم طوال خمس سنوات، عاشوها في رحلة عذاب مع الإيجار والتهديد بالطرد إذا ما تأخروا عن الدفعِ مرّة، خصوصًا خلال العامين الماضيين "بعد أن توقفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين عن دفع بدل الإيجار لأصحاب المنازل التي دمرها الاحتلال".
الحكاية بدأت أواخر الشهر الماضي عندما لملمت أسرة أبو خالد أغراضها مودعةً حياة "عدم الاستقرار" إلى الأبد، وتوجهت إلى الشقة الجديدة يسوقها الأمل نحو "طاقة فرجٍ" ظنوا أنها فُتِحت أمامهم، لتكون الصدمة "الشقة غير مجهّزة للوصل بالتيار الكهربائي".
ليست شقة عائلة سرحان وحدها، فشقق البرج كله، والأبراج الأخرى المعاد بناؤها في الحي أيضًا تعاني نفس المعضلة، من المسئول؟ الإجابة ضمن هذا التقرير:
امتحانات على الأبواب
الأربعينية أم خالد سرحان قالت ودموعها تسبق كلماتها: "خمس سنوات وأنا أعيش العذاب برفقة أولادي، أحلى سنوات عمري ضاعت وأنا أتنقل بين شقة وأخرى، عشت خمس سنوات لا أملك غرفة خاصة بي (..) التفاصيل قاسية جدًا، أن تضع تعب حياتك في شقة، وتعود لتجدها ركامًا في لمح البصر".
تتابع بنبرةٍ غلبتها قلة الحيلة: "ظننا أن الفرج جاء، لم نستلم مفتاح شقتنا إلا بعد أن أحضرنا ورقة مخالصة من طرف شركة الكهرباء، ثم فوجئنا بأن الشقق لا يوجد بها تيار كهربائي".
وتصف الأربعينية أيامها منذ استلام الشقة بـ "الأكثر سوءًا"، وتضيف: "بعد كل هذا الصبر أضطر يومياً إلى شراء المياه الحلوة بـمبلغ 30 شيكلًا كي أتدبر شئون بيتي المختلفة".
وتتساءل بعاميةٍ بسيطة :"كيف بدنا نعيش بدون كهربا؟ أنا بغسل على إيدي، ما في مية للاستحمام، والأخطر من هاد كله إن الامتحانات على الأبواب".
يقاطعها ابنها الأكبر خالد -الذي اضطر لإرسال زوجته وطفلته الرضيعة- إلى بيت عائلتها لعدم قدرتها على تحمل الحياة بلا ماء أو كهرباء، فيقول: "نضطر كل يوم إلى شحن بطارية الإضاءة عند أحد الأصدقاء، ذلك كي لنتمكن من تشغيل (لمبة لِد) تضئ لنا عتمة الليل الحالكة".
"المسافة ليست بسيطة، نضطر يوميًا لقطعها صباحًا ومساءً من أجل شحن بطارية الكهرباء" يقول المواطن مصطفى حمادة، الذي صادفته "نوى" عند مدخل أحد الأبراج المذكورة، يحمل واثنين من أبنائه بطاريات بغرض شحنها عند أحد الجيران.
ويتابع: " كيف بدنا نعيش حياتنا بشكل طبيعي في ظل هذه المصيبة الجديدة؟ مش بكفينا ما يزيد عن خمس سنوات من التشرد؟ كمان نستلم شقق بلا كهرباء".
ويضيف: "للأسف وزارة الأشغال تخلي مسؤوليتها، وتحملها لشركة الكهرباء التي تتنصل هي الأخرى من المسؤولية، ونحن متورطين بين الطرفين لا نعلم ماذا نفعل؟".
شراء الماء وشحن البطاريات
وكما عائلة سرحان، يضطر حمادة لشراء "مياه حلوة" كل يومين بمبلغ 50 شيكلًا لاستخدامها كبديلٍ عن مياه الحنفية، ويتساءل: "أنا متقاعد، وراتبي محدود، كيف لي أن أوفّر المال لكل المتطلبات بما فيها المياه التي لا تصلنا بسبب عدم وجود الكهرباء؟".
ومما يزيد من قهر السكان الذين استلموا منازلهم الجديدة، أنهم لم يتمكنوا من الحصول على مفتاح الشقة إلا بعد إنهاء الديون المستحقة عليهم لشركة الكهرباء ما قبل العدوان.
يعقّب حمادة بقوله: "أنا سلّمت عداد الكهرباء والميه بعد هدم البيت، وخلصت كل الالتزامات المالية اللي على عاتقي، من حقي أحصل على الكهرباء مش أعاني أنا وأسرتي ومحدش يسأل فينا".
الإشكالية لا يعاني منها سكان الأبراج المعاد بنائها فقط وإنما طالت السكان ممن أعيد ترميم بناياتهم أيضًا، وفق ما أكد المواطن نبيل أبو الجديان، الذي استلم شقته هو الآخر منذ قرابة الأسبوعين، لكن الفرق كما يقول: "التيار الكهربائي موجود في هذه البنايات، لكن الشركة تماطل في وصل الكهرباء بحجة عدم قدرة المحوّل الموجود على استيعاب المزيد من الأحمال"، متابعاً: "هذه ليست مشكلتي كمواطن، الحل مطلوبٌ من المسئولين عن هذا الملف".
"الأشغال" أم شركة توزيع الكهرباء؟
"نوى" حاولت التواصل مع وكيل وزارة الأشغال د.ناجي سرحان للوقوف على أسباب المشكلة، إلا أنه لم يرد على الاتصال أو على سؤال "نوى" عبر تطبيق "واتساب".
وبالعودة إلى تصريحات وزارة الأشغال بالخصوص، فقد أعلنت أنها أنهت إعادة إعمار المرحلة الأولى من أبراج حي الندى شمال قطاع غزة بواقع (75) وحدة سكنية، تم تنفيذها ضمن المنحة الإيطالية بقيمة (16.2) مليون يورو، مخصصة لإعادة إعمار وتأهيل منطقة أبراج حي الندى شمال القطاع.
بدوره، أكد مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع الكهرباء محمد ثابت لـ "نوى"، أن شركته لا تملك أي صلاحيات، ولا تتحمل أي مسئولية حول هذا الموضوع، ذاكرًا أن وزارة الأشغال اعتمدت في إعادة إعمار الأبراج على مخططات قديمة لشركة الكهرباء، وسلمت المخطوطات للمقاول دون العودة للشركة التي تعتمد في عملها على التطوير المستمر، الذي يعتمد على مطابقة المواصفات والمعايير المعمول بها في الدول المجاورة للحصول على مواصفات أكثر أمانًا وجودة.
وتابع: "شركة توزيع الكهرباء لا تمتلك أي سلطة خلال عمل المقاول، هي تنتظر أن ينهي المقاول تجهيز الغرف الخاصة بمحولات الكهرباء بما يطابق المواصفات والمعايير المطلوبة، من أجل تمديد الأبراج بالكهرباء".
وأكد ثابت أن الشركة تراعي الأوضاع المأساوية التي عانى منها المواطنون المدمرة بيوتهم طوال الخمس سنوات الماضية، متعهدًا بتقديم استثناءات وتسهيلات من أجل إنهاء ملف الذمم المالية المتراكمة على بعضهم خلال الفترة القادمة.
























